السيد محمد تقي المدرسي
131
من هدى القرآن
أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ونرى الآن وبوضوح أن أساس الانتماء والولاء في عالمنا اليوم قائم على الحب والبغض وليس العقل والعلم ، وقد عرف أولو السياسة وأنصار الثقافة الجاهلية ، أن مفتاح شخصية المجتمع الجاهلي هو الحب والبغض ، فسعوا لزخرفة أفكارهم الخاطئة بما يثير شهواتهم ، فخربوا أفكارهم ، وجعلوهم يلهثون وراء كل ما يثير الشهوات والنعرات الجاهلية . وهكذا ضلوا وأضلوا ، ولم يكتفوا بتضليل الناس في القضايا المختلفة حتى سلبوهم قدرتهم على أن يسمعوا أو يعقلوا . فلو ذهب شاب مثقف إلى مكتبة ما ورأى فيها كتابا قيما يحوي أفكارا هامة ، ولكنه مطبوع قبل مئتي عام وعلى ورق أصفر رديء ، فإنه قلما يجد دافعا لشرائه وقراءته ، وإن تجشم الصعاب وضغط على نفسه ليقرأ بعض صفحاته ، فإنه يشمئز من جراء الأخطاء المطبعية أو عدم الوضوح في كلماته حتى ليكاد أن يخطئه ، بينما ينجذب لبريق الإعلام الملئ بالسموم ، والممول على أساس نهب ثروات الفقراء . وهكذا تجد المجتمع الجاهلي يتردى في بؤر الجهل بسبب طاعة أبنائه الشهوات والأهواء بدل العقل والعلم . وهنا يتضح أساس الخطأ في المحور المعتمد للتقييم . فهل المحور الصحيح أن كل ما تحبه حق ؟ أم الحق هو الذي ينبغي أن تحبه ؟ . أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ومثل هذا الإنسان لا تنفعه شفاعة الشافعين ، ورسول الله لا يشفع له ولو استغفر له سبعين مرة ، بسبب توليه عن القيم واتباعه الهوى . [ 44 ] الذي يترك عقله لهواه ، والحق تابع لما يحب ويبغض ، فإنه يجعل نفسه أضل سبيلا من الأنعام ، لأنها أوتيت مقدارا من الشعور والفهم تعتمد عليه ولا تحيد عنه ، فلم نر الأنعام يوما تدخل جحيما من النار أو تتبع مضرتها لحبها ، ولكن الإنسان يستخدم ما يؤذيه ويتبع ما يضره . أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ كلا إنهم لا يسمعون العلم ولا يعقلونه إن سمعوه ، وهم بلا علم يستفيدونه من الآخرين ولا عقل يستوعب ذلك العلم . إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ وهذه نتيجة اتباعهم الهوى . إذ جعلهم يبدلون مقاييسهم ، فبدل أن يحبوا الحق يعتبرون ما يحبونه حقا .